كيف سيتعامل بايدن مع إرث ترامب مع الصين

علي أبو مريحيل – رئيس التحرير

 

رغم انتهاء ولاية الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب في العشرين من يناير الجاري، فإن الحديث عن تبعات وتداعيات السياسة التي انتهجها خلال الأربع سنوات الماضية لايزال قائماً وربما يستمر لسنوات طويلة. وذلك بالنظر إلى الآثار العميقة التي خلفتها تلك السياسة على كافة الصعد خصوصاً فيما يتعلق بالملفات والقضايا الخارجية. وتبقى سياسة ترامب تجاه الصين واحدة من أكثر الملفات تعقيداً وسخونة، الأمر الذي قد يضع المزيد من العقبات أمام إدارة الرئيس الأمريكي الجديد جو بايدن في تعامله مع هذا الملف على وجه التحديد.

وكان ترامب قد أعلن منذ حملته الانتخابية الأولى، خطه المتشدد تجاه الصين، والذي بدأه بشن حرب تجارية ضدها بغية تعديل الميزان التجاري بين البلدين والذي يميل بطبيعة الحال إلى بكين، تخلل ذلك فرض تعريفات جمركية بمليارات الدولارات على البضائع الصينية، ووضع شركات كبرى على القائمة التجارية السوداء مثل شركة هواوي، وفرض عقوبات على شركات أخرى اتهمها بأنها على صلة بالجيش الصيني، بالإضافة إلى استهداف مكاتب الإعلام الصينية العاملة في الولايات المتحدة، وكذلك المعاهد والمراكز الاجتماعية والثقافية مثل مركز كونفوشيوس. أيضاً شمل التصعيد الأمريكي إغلاق القنصلية الصينية في هيوستن بولاية تكساس، وهي سابقة في تاريخ العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.

كافة هذه الإجراءات كانت تتم في وقت لم تتوقف فيه واشنطن عن التدخل في شؤون الصين الداخلية، خصوصاً فيما يتعلق بملف هونغ كونغ، وإقليم شينجيانغ. وربما كان الانتهاك الأحدث، خرق الخارجية الأمريكية لمبدأ صين واحدة والذي يعتبر الأساس السياسي الذي قامت عليه العلاقات الدبلوماسية بين بكين وواشنطن، وذلك بإعلان وزير الخارجية الأمريكي السابق مايك بومبيو في أيامه الأخيرة، رفع القيود لأول مرة على التواصل بين المسؤولين الأمريكيين والتايوانيين.

ما تقدم، لخصه الرئيس الأمريكي المنصرف بأنه أكبر إنجاز دبلوماسي حققته إدارته، في حين اعتبره مراقبون العقبة السياسية الأكبر أمام مستقبل العلاقات الأمريكية الصينية، هذا في حال توفرت الرغبة لدى الطرفين في إعادة ترميم ما تهشم بمعول ترامب على مدار السنوات الماضية.

تعليق مؤقت

قبل أيام من ترك منصبه، وجه مايك بنس نائب الرئيس السابق، رسالة إلى جو بايدن، حثه فيها على ضرورة الاستمرار في المسار الذي انتهجه سلفه ضد الصين، مشيراً إلى أن الإدارة السابقة وقفت بقوة في وجه العدوان الصيني والانتهاكات التجارية، ودافعت عن حرية الملاحة ومصالح حلفائها في منطقة آسيا والمحيط الهادئ. وبالرغم من أن بايدن كان قد كشف في وقت سابق عن خطته فيما يتعلق بالصين، حيث أعلن اعتزامه تشكيل جبهة موحدة من الحلفاء لاحتواء النفوذ الصيني، فإن تنفيذ ذلك لا يبدو قريباً مع تراكم الملفات الداخلية المعقدة والملحة، والتي يأتي في مقدمتها التصدي لجائحة كورونا، بالإضافة إلى الشرخ والانقسام الحاد الذي خلفته التطورات الأخيرة في البلاد.

فقد وضع بايدن خطة لمحو إرث الإدارة السابقة، بدأها بتوقيع حزمة من الأوامر التنفيذية لإبطال قرارات سابقة تتعلق معظمها بملفات محلية. ولاشك أن محاربة فيروس كورونا باعتبارها قضية ملحة ستستغرق الكثير من الجهد والوقت، بالإضافة إلى مسألة اجتثاث جذور الانقسام والتمرد، والوقوف على مدى تغلغل ذلك في مؤسسات الدولة. كما يتوقع أن تعمق محاكمة ترامب في الكونغرس قريباً الخلافات الداخلية، وهو الأمر الذي من شأنه أن يهدد إجماع الحزبين حول بعض القضايا. تلك مؤشرات تؤكد بأن انغماس الإدارة الجديدة في الوحل الذي خلفه ترامب، سوف يرجئ الحسم أو التفرغ لإدارة الملفات الخارجية، دون أن يعني ذلك تجاهلها أو إهمالها.

توقعات صينية

يتوقع خبراء صينيون بأن يستغرق انشغال الإدراة الأمريكية الجديدة بالشأن الداخلي قرابة عامين، أي حتى موعد انتخابات التجديد النصفي في عام 2022. قبل أن تبدأ العمل بجدية لتصحيح المسار والانخراط في مراجعة تدريجية للسياسات الخارجية للولايات المتحدة. ويعتقد هؤلاء بأن بايدن سيعمل على كسر الجمود وتشكيل سياسته الخاصة تجاه الصين. وقد يتخلل ذلك رفع تدريجي للقيود التي فرضتها إدارة ترامب على العلاقات بين البلدين.

غير أن ذلك سيكون مرهوناً بمدى نجاحه في إدارة الأزمات الداخلية خلال العامين المقبلين، لأنه لا يستطيع أن يمضي في  تعديل السياسة الخارجية الحالية، ما لم يقدم إنجازات ملموسة، خصوصاً وأن حملة ترامب كانت قد وصفت بايدن بأنه حليف للصين وصديق قديم للحزب الشيوعي الصيني.

رغم حالة التفاؤل التي تسود في الأوساط الصينية، فإن وسائل إعلام صينية رسمية حذرت من اتخاذ بايدن سياسة سلفه كأساس لتركيزه على الصين في محاولة لكسب ود المتشددين في الحزب الجمهوري للترويج لأجنداته الداخلية. ما يعني أنه من المرجح أن تتعامل الإدارة الجديدة مع استراتيجية ترامب باعتبارها المحور الرئيسي لسياستها تجاه الصين، وبالتالي فرض المزيد من القيود، وتبني مواقف أكثر تصلباً من الإدارة السابقة.

About Post Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة © 2020 مجلة السفير | Newsphere by AF themes.