كيف يعزز إرث ترامب نفوذ التنين في آسيا؟

المتابع لقرارات الرئيس الأمريكي الجديد جو بايدن خلال الأسابيع الأولى له في البيت الأبيض، يلاحظ بأنه يسير بممحاة على خطى سلفه دونالد ترامب، فمنذ وصوله إلى سدة الحكم وضع بايدن خطة لمحو إرث الإدارة السابقة، بدأها بتوقيع حزمة من الأوامر التنفيذية لإبطال قرارات سابقة تتعلق معظمها بملفات محلية. أما فيما يتعلق بالملفات الخارجية خصوصاً العلاقات الأمريكية الصينية، فليس من المتوقع أن تخالف الإدارة الجديدة النهح الذي سارت عليه إدارة ترامب، حيث كشف بايدن في وقت سابق عن خطته فيما يتعلق بالصين، وأعلن اعتزامه تشكيل جبهة موحدة من الحلفاء لاحتواء النفوذ الصيني، غير أن ذلك لا يبدو قريباً مع تراكم الملفات الداخلية المعقدة والملحة، والتي يأتي في مقدمتها التصدي لجائحة كورونا، بالإضافة إلى الشرخ والانقسام الحاد الذي خلفته التطورات الأخيرة في البلاد.

هذا وكانت الولايات المتحدة قد استخدمت نفوذها الأمني والاقتصادي لإبرام مشاريع مثل اتفاق الشراكة العابرة للمحيط الهادي، ولكن النفوذ الاقتصادي الأميركي بآسيا آخذ في التراجع، في وقت يتنامى بسرعة هائلة نفوذ الصين التي تبذل جهدا كبيرا لتحل محل واشنطن في الدفاع عن تحرير التجارة وتعزيز التعددية .

تراجع أمريكي

حتى وقت قريب كانت الولايات المتحدة الشريك الأساسي للتبادلات التجارية مع الآسيويين، وأهمَّ مدافع عن سياسات التجارة الحرة التي شعر العديد من القادة الإقليميين بأنها ستحسن فرصهم في التنمية الاقتصادية. ولكن في ظل إدارة ترامب تراجع الدور الأميركي بالمنطقة، بينما ازدهرت الصين بعد تعافيها السريع من تداعيات الوباء، ويُعد إتمام بكين الناجح اتفاقية الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة التي تضم 15 دولة بمنطقة آسيا والمحيط الهادي دون الولايات المتحدة، تأكيدًا على دور الصين المهم، وعلى أنها شريك تجاري يمكن الوثوق به.

إذن، يبدو أن تساهل ترامب وعدم أخذ إدارته لجائحة كورونا على محمل الجد، قد ساهم في تفشي الوباء في الولايات المتحدة على نحو تسبب في خلق الكثير من العقبات أمام الإدارة الجديدة، وهو الأمر الذي من شأنه أن يصعب دفع السياسات الاقتصادية والتجارية التي قد تجذب الدول الشريكة في آسيا لإعادة بناء التحالف الاقتصادي الأوسع للولايات المتحدة في مواجهة نفوذ التنين الصيني.

ما يبدو واضحاً أن الإدارة الأمريكية الجديدة تحاول بشتى الطرق الابتعاد عن سياسات الإدارة السابقة، وإن كانت ستسير على نفس النهج فيما يتعلق بالصين، ولكن بأدوات جديدة. بعض الساسة الأمريكيين يقولون بأن التعريفات الجمركية التي فرضت على الصين كلفت الأميركيين نحو ربع مليون وظيفة، لكن لايزال الجدل قائما حول ما إذا كانت السياسة التجارية وليس التكنولوجيا سبب المشكلات التي عصفت بالطبقة الوسطى خلال العقود الأخيرة.

بالعودة

 

قلق الحلفاء

بالعودة إلى إعادة إحياء التحالف الآسيوي لمواجهة النفوذ الصيني، يبدو أن دول جنوب شرق آسيا باتت أكثر اعتمادا على الصين لتحقيق النمو كما أن حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة مثل اليابان وكوريا الجنوبية، يشعرون بالقلق من القوة الجيوسياسية المتصاعدة لبكين، ويعترفون بالاعتماد المالي المتبادل معها،  ولكن لا أحد تقريبا يريد أن يكون في موقف أستراليا التي تواجه عقوبات اقتصادية  فرضتها عليها الصين بسبب ادعاءات لها علاقة بملف حقوق الإنسان.

لذلك يبدو أن شركاء الولايات المتحدة في آسيا أكثر استعدادا لدعم محاولات واشنطن لاحتواء الصين أمنيا في حال كان ذلك مفيدا اقتصاديا، غير أنهم لا يرغبون في الرهان على سياسات عقابية قد تؤدي إلى نتائج عكسية، خصوصاً أن إدارة جو بادن كانت قد كشفت عن إعادة بناء الطبقة الوسطى في البلاد، ما يعني استمرار الإجراءات العقابية بحق الصين، وبالتالي تثبيت المعاملات التجارية السابقة  بين أكبر اقتصادين في العالم، والدخول بدوامة جديدة من الفعل والفعل المضاد بين بكين وواشنطن.

مما تقدم يبدو أن الإدارة الأمريكية الجديدة بحاجة إلى تطوير أجندة اقتصادية تجذب الشركاء الآسيويين، لكن خياراتها محدودة في هذا المجال، خصوصاً وأن الرئيس الأمريكي جو بايدن أكد في أكثر من مناسبة أنه لن يبرم أي صفقات تجاريّة جديدة حتى تتم السيطرة على جائحة كورونا، وإلى ذلك الحين ستجد الصين نفسها وحيدة في الميدان دون منازع أو منافس، تبرم الاتفاقيات التي تعزز دورها الإقليمي والدولي، وتدافع بصوت عال عن التعددية وحرية التجارة باعتبارها دولة رائدة وقوة اقتصادية لا يستهان بها.

 

 

About Post Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة © 2020 مجلة السفير | Newsphere by AF themes.