مريد البرغوثي حين تفقد الأبجدية حرفاً ويقل منسوب الأدب

محمود عبد الواحد

برحيل الشاعر والكاتب والروائي الفلسطيني مريد البرغوثي، تفقد الأبجدية حرفاً أو اثنين، ويقل منسوب الأدب، فتبدو اللغة قاصرة عن التعبير في أول اختبار لها على مفترق رثاء ربما لن تعود منه الحروف والكلمات سالمة.

أما على الصعيد الوطني، فإن الفقد أكبر وأعمق، لأن القضية الفلسطينية خسرت أبرز المدافعين عنها، باعتبار أن أدب وأسلوب مريد البرغوثي كان يشكل قيمة مضاعفة لإنتاج الأدب الفلسطيني المقاوم.

تكمن قيمة مريد وتتجلى في واقعيته الأدبية والشعرية، فهو لم يمد إلى فلسطين حبلاً شعرياً عاطفياً على غرار الكثير من الشعراء العرب، بل كان وطنه المحتل حاضراً  في كل محطات حياته ابتداء من انتزاع الأرض مرورا بالمنفى والاغتراب ثم العودة فالمغادرة. لذلك كانت أعماله مزيجاً ومعاينة لتجارب عدة كالنكبة والنكسة ومن ثم كامب ديفيد وأوسلو وصولاً إلى رام الله، تلك المحطة التي أفرزت أبرز كتب السيرة الذاتية المكتوبة بعد تسعينيات القرن الماضي “رأيت رام الله”.

تعتبر هذه الرواية الأكثر تجذراً في وعي الفلسطينيين والعرب، فهي ليست مجرد رواية ذاتية، بل محاولة لتشكيل الوعي الفلسطيني وسرد الرواية الفلسطينية بواقعية محرجة وحاسمة، لأن أرض مريد لا تقبل القسمة على اثنين، ولاتجادل في منطق الحق لأنها خطاه على تراب فلسطين وخربشاته على جدرانها هي البرهان.

“لم أكن ذات يوم مغرما بالجدال النظري حول من له الحق في فلسطين. فنحن لم نخسر فلسطين في مباراة للمنطق! لقد خسرناها بالإكراه و بالقوة”

هكذا كان مريد حاسماً في منطقه وأدبه، وليس من قبيل الصدفة أن تكون هذه الجملة الأكثر تداولاً بين جيل الشباب وهم يطلقون مراثيهم في فضائهم الأزرق، ليبدو ذلك إثباتاً لجدارته في إعادة  تشكيل الوعي الجمعي في أكثر الأوقات حلكة، حيث تهرول الأنطمة والدول العربية واحدة تلو الأخرى باتجاه التطبيع مع إسرائيل وكأن شيئاً لم يكن. وكأنهم لم يقرأو حرفاً واحدا من أدب مريد.

تلك هي واقعية البرغوثي في حسم الجدل الذي يصور الأمر على أنه صراع بين ندين وحقين وروايتين متكافئتين، ولكن كيف كان يرى فلسطين، كحيز جغرافي، بعيداً عن التاريخ والفواصل العاطفية:

“عندما تختفي فلسطين كسلسال على ثوب السهرة، كحلْية، أو كذكرى أو كمصحف ذهبي، أي عندما نمشي بأحذيتنا على ترابها، ونمسح غبارها عن ياقات قمصاننا، وعن خطانا المستعجلة إلى قضاء شؤوننا اليومية العابرة، العادية، المضجرة، عندما نتذمر من حرها، ومن بردها، ومن رتابة البقاء فيها طويلاً، عندئذ نكون قد اقتربنا منها حقاً”

سيرته الذاتية

ولد مريد البرغوثي الذي رحل عن 76 عاماً، في دير غسّانة بالقرب من رام الله عام 1944. عايش فصول “النكبة” في صباه، وفي عام 1963 انتقل إلى دراسة الأدب الإنكليزي في القاهرة، غير أنه مُنع من العودة إلى فلسطين إثر حرب 1967.

تعرض مريد لمضايقات أثناء إقامته في مصر، وذلك على خلفية احتجاجه على توقيع السادات اتفاقية سلام مع إسرائيل، فسُجن أوّلاً ثمّ جرى ترحيله، فانتقل بين المنافي، قبل أن يعود إلى وطنه بعد ثلاثة عقود بموجب اتفاقية أوسلو.

نشر عمله الشعري الأول؛ “الطوفان وإعادة التكوين” في بيروت عن “دار العودة” عام 1972، وتتالت لاحقاً إصداراته، ومنها: “فلسطيني في الشمس” (1974)، و”نشيد للفقر المسلّح” (1976)، و”سعيد القروي وحلوة النبع” (1978)، و”الأرض تنشر أسرارها” (1987)، و”قصائد الرصيف” (1980)، و”طال الشتات” (1987)، و”منطق الكائنات (1996)، و”منتصف الليل” (2005)، وكانت آخر إصداراته مجموعة شعرية بعنوان “استيقظ كي تحلم” (2018). وقد صدرت طبعة لأعماله الشعرية الكاملة عن “المؤسسة العربية للدراسات والنشر” عام 1997.

حصلت روايته الشهيرة “رأيتُ رام الله” على جائزة نجيب محفوظ للإبداع الأدبي عام 1997. وتناولت سيرة البرغوثي الذاتية التي مثلت رحلة العودة إلى وطنه بعد ثلاثين عامًا من الغربة. وترجمت الكاتبة المصرية أهداف سويف الرواية إلى اللغة الإنجليزية.

في عام 2009، صدرت لمريد البرغوثي رواية ” وُلدت هناك، ولدت هنا” التي اعتبرت امتدادا لروايته الأولى عن زيارته لفلسطين، وفيها يصف رحلة عودته مع ابنه الوحيد تميم البرغوثي إلى موطنه الأم. وترجمت هذه أيضا إلى الإنجليزية عام 2012. وفيها كتب:

“بوسعنا الآن أن نقول لأطفالنا إن النعاس لن يظل نصيبهم إلى الأبد، ولا إلى بعض الأبد. لكن علينا أن نعترف لهم ولأنفسنا قبلهم بأننا مسؤولون أيضًا. جهلنا مسؤول. قصر نظرنا التاريخي مسؤول، وكذلك صراعاتنا الداخلية، وخذلان عمقنا العربي المكوّن من دول معجبة بمستعمريها حد الفضيحة”.

في أواخر الستينيات، تعرّف البرغوثي على الرسام الفلسطيني الراحل ناجي العلي، واستمرت صداقتهما العميقة بعد ذلك حتى اغتيال العلي في لندن عام 1987، وقد كتب عن شجاعة ناجي وعن استشهاده بإسهاب في كتابه “رأيت رام الله”، ورثاه شعرا بعد زيارة قبره قرب لندن بقصيدة أخذ عنوانها من إحدى رسومات ناجي “أكله الذئب”.

شارك مريد البرغوثي في عدد كبير من اللقاءات الشعرية ومعارض الكتاب الكبرى في العالم، وقدّم محاضرات عن الشعر الفلسطيني والعربي في جامعات القاهرة وفاس وأكسفورد ومانشستر وأوسلو ومدريد وغيرها، وتم اختياره رئيسا للجنة التحكيم لجائزة الرواية العربية عام 2015.

وكان الراحل احتفى بصدور ديوانه الشعري “مملكتي من هذا العالم” باللغة الإسبانية في أكتوبر الماضي

وعُرف مريد البرغوثي بتأييده ثورة يناير المصرية، ومعارضته اتفاقية أوسلو والنظام الفلسطيني الناشئ عنها، كما هاجم اتفاقيات التطبيع العربية الأخيرة مع إسرائيل.

وفي نهاية السبعينيات، عبّر البرغوثي عن رفضه اتفاقية كامب ديفيد للسلام بين مصر وإسرائيل، ودفع ثمن ذلك بمنعه من دخول مصر سنوات طويلة بأمر من نظام أنور السادات.

والبرغوثي هو زوج الأديبة المصرية الراحلة رضوى عاشور التي توفيت في نوفمبر عام 2014، ونشر بعد وفاتها العديد من المقطوعات والنصوص الأدبية الحزينة، وقرأ في ندوة لتأبينها أقامتها كلية الآداب بجامعة عين شمس “افتحوا الأبواب لتدخل السيدة”، “من ينشغل بحزنه على فقد المحبوب ينشغل عن المحبوب، الآن أطلب من حزني أن يتجه إلى أقرب بوابة ويغادر هادئا كما أشاء أو هادرا كما يشاء لكن دون أن يلفت الأنظار”.

About Post Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة © 2020 مجلة السفير | Newsphere by AF themes.