مصالح الصين في أفغانستان .. حسابات خارج الميزان السياسي

علي أبو مريحيل – رئيس التحرير

 

مجدداً توجهت الأنظار نحو الصين في ظل التطورات الميدانية في أفغانستان وسيطرة حركة طالبان على العاصمة كابل وانهيار الحكومة قبل أقل من شهر من استكمال القوات الأميركية انسحابها  من الأراضي الأفغانية. هذه التطورات السريعة طرحت تساؤلات حول تداعيات ذلك على المشهد الجيوسياسي الإقليمي، خصوصاً ما يتصل بمخاوف الصين من أن عدم الاستقرار والفراغ الأمني قد يمتد إلى حدودها الغربية ويضر باستثماراتها الكبيرة في أفغانستان.

الموقف الرسمي الصيني جاء على لسان المتحدثة باسم وزارة الخارجية خوا تشون ينغ، في إفادة صحفية، قالت فيها إن الصين تحترم رغبات وخيارات الشعب الأفغاني، وتأمل أن تعمل طالبان من أجل ضمان انتقال سلس للسلطة في البلاد، وكبح جميع أنواع الأنشطة الإرهابية والإجرامية، والحفاظ على سلامة المدنيين. وبالرغم من أن بكين لم تقل صراحة بأنها ستعترف بطالبان كقيادة شرعية لأفغانستان، فإنها أشارت إلى علاقاتها الجيدة مع الحركة وتصريحات قادتها برغبتهم في إقامة علاقات وطيدة مع الصين ووصفها بأنها “دولة صديقة”.

وكان وزير الخارجية الصيني وانغ يي، قد استضاف في الثامن والعشرين من يوليو/تموز الماضي، وفداً من حركة طالبان بمدينة تيانجين شرقي البلاد، ضم رئيس اللجنة السياسية للحركة  الملا عبد الغني بارادار، بالإضافة إلى رؤساء المجلس الديني ولجنة الدعاية والإعلام. وخلال الاجتماع أعرب المسؤول الصيني عن أمله في أن تقوم  طالبان بقطع العلاقات مع جميع المنظمات الإرهابية بما في ذلك حركة تركستان الشرقية الإسلامية، وأن تعمل ​​بحزم وفعالية لإزالة العقبات ولعب دور إيجابي في إرساء الأمن والاستقرار في المنطقة.

وكان لافتاً، وصف وانغ يي، حركة طالبان بأنها “قوة عسكرية وسياسية محورية” متوقعاً أن تلعب دوراً مهماً في أفغانستان بالمستقبل. في المقابل حصلت بكين خلال الاجتماع على التزام من طالبان بأنها لن تسمح لأي قوة باستخدام الأراضي الأفغانية للانخراط في أعمال تضر بمصالحها.

ما تقدم يشير ظاهرياً إلى أن مستقبل حركة تركستان الشرقية التي تلقي بكين اللوم عليها في مسألة الاضطرابات العرقية بإقليم شينجيانغ، هو أحد المخاوف الرئيسية بالنسبة للصين التي تراقب بقلق وحذر شديدين التحولات الميدانية بالقرب من حدودها الغربية.

اعتبر خبراء صينيون أن الفراغ الأمني وعلاقة طالبان بجماعات إرهابية متطرفة هو أكثر ما يؤرق قادة الحزب الشيوعي، بالرغم من الأجواء الإيجابية التي اتسمت بها العلاقات بين الطرفين في الفترة الأخيرة، وكذلك التصريحات الودية، فإن حالة من عدم اليقين لا تزال حاضرة، هناك أزمة ثقة يصعب تجاوزها، فطالبان اليوم ليست كما كانت عليه قبل عشرين عاماً، أو حتى قبل يومين، فهي تملك اليوم نفوذاً كبيراً وقد استولت على أسلحة متطورة حصلت عليها من مخازن الجيش الأفغاني، إلى جانب سيطرتها على مؤسسات ومقدرات الدولة، وبالتالي من الصعب ردعها، وهذا يفسر تحرك الصين المسبق لتعزيز انتشار جيشها حول ممر واخان الذي يمتد على مساحة 70 كيلومترا عبر الحدود الفاصلة بين البلدين.

وتخشى الصين من أن يؤدي تدهور الأوضاع الأمنية إلى تسلل متطرفين وجماعات إرهابية عبر الممر لدعم القوات الانفصالية في إقليم شينجيانغ، خصوصاً أن طالبان لم تصدر أي بيان واضح بشأن علاقة الحركة مع الجماعات الإرهابية التي ترتبط معها بعلاقات وثيقة، ويعتبر ذلك أحد الضمانات التي تتحدث عنها الصين كي تترجم الحركة التزاماتها وتعهداتها إلى أفعال، وهو أمر لم يحدث حتى هذه اللحظة.

بينما قلل آخرون من مخاوف الصين الأمنية، معتبرين أن حركة طالبان باتت أكثر برغماتية في علاقاتها الدولية، فمن خلال اتصالاتها بعدة بدول وجولات قادتها الخارجية بدت كحركة سياسية وليست مجرد قوة عسكرية تدافع عن إيديولوجيا متطرفة. تعامل الحركة مع التطورات الأخيرة والتعهد بعدم مس البعثات الدبلوماسية الأجنبية، وكذلك المدنيين الآمنين في كابل، أعطى أشارات إيجابية وصورة مغايرة لطالبان التي تقتل بدم بارد وتبتر الأعضاء وتقطع الرؤوس.

تدرك الصين مدى حرص طالبان على الاحتفاظ بعلاقات ودية معها، لأن البقاء في السلطة يحتاج إلى دعم وتنمية وازدهار، والاستثمارات الصينية الكبيرة في بلادهم قد تساعدهم في ذلك. وبالتالي فإن بكين ليست قلقة إزاء صعود الحركة ونجاحها في السيطرة الكاملة على الأراضي الأفغانية، بل قد يمثل ذلك فرصة لها للتعاون في المجال الأمني، إلى جانب المساهمة لاحقاً في إعادة الإعمار، ولعب دور محوري بتعزيز مشاريع التنمية ضمن مبادرة الحزام والطريق. وما يؤكد اطمئنان الصين هو مواصلة سفارتها في كابل عملها كالمعتاد، وبقاء موظفيها في مواقعهم، على خلاف دول أخرى أجلت رعاياها بعد سيطرة الحركة على العاصمة.

هذا وكانت وسائل إعلام رسمية صينية قد أفردت مساحة واسعة للحديث عن تداعيات الانسحاب الأميركي وسيطرة طالبان على كابل، وقارنت لحظة هبوط الطائرة الأميركية لإجلاء الرعايا، بمشهد الانسحاب من فيتنام عام 1975. ولم تفوت الفرصة في توجيه رسائل إلى قادة الحزب الديمقراطي في تايوان، بأن مصيرهم سيكون مشابهاً لمصير الحكومة الأفغانية.

وتحت عنوان “التخلي عن الأفغان درس للحزب الحاكم في  تايوان” ذكّرت صحيفة جلوبال تايمز الصينية الحكومية، بتخلي واشنطن عن حلفائها في فيتنام عام 1975، وعن حلفائها الأكراد شمال سوريا عام 2019. وقالت إن التخلي عن الحلفاء لحماية المصالح الخاصة هو سلوك متأصل في العقلية الأميركية منذ تأسيس الولايات المتحدة. واعتبرت أن الفشل الأميركي في أفغانستان بمثابة تحذير للانفصاليين في تايوان.

كما عبر نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي الصينية عن سخريتهم من السقوط المدوي للحكومة الأفغانية بعد سيطرة طالبان، وقالوا إنه يتوجب على الأشخاص الذين يؤمنون بشدة بالولايات المتحدة أن يتعلموا هذا الدرس جيداً، لأن الأميركيين سيتخلون عنهم يوماً مثل القمامة، وأن ما يسمى بالتحالف الذي أقامته تايبيه مع واشنطن ليس سوى وعد فارغ سيترك شعب تايوان في النهاية يتألم بمفرده.

 

About Post Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة © 2020 مجلة السفير | Newsphere by AF themes.