مكتب الصين، الخاصرة الرخوة لشبكة الجزيرة الإعلامية

علي أبو مريحيل

كنت أعمل منتجاً ومحرر أخبار في مكتب الجزيرة بالعاصمة الصينية بكين حين اتصل صديق بي من فلسطين مستفسراً عن هوية المراسل الذي ظهر للتو على الشاشة للتعليق على النزاع الحدودي بين الصين والهند.

 

– إنه مدير المكتب ناصر عبد الحق

ـ هل كان بثاً مباشراً؟

ـ نعم

ـ ظننتها فقرة في برنامج يرصد عثرات المراسلين!

 

وقبل أن يبدي صديقي ملاحظاته، انقطع الاتصال، الأمر الذي اختصر عليّ فاصلاً من الحرج اعتدت عليه في كل مرة يتصل بي أحدهم مستنكراً ظهور مراسل بهذا المستوى على شاشة مؤسسة إعلامية عريقة تعتبر مرجعاً في كفاءة ومهنية موظفيها.

 

في مساء نفس اليوم وبينما كنت أطالع صفحة الجزيرة – الصين على الفيس بوك، استوقفني مقطع البث المباشر لمداخلة المدير، وكان الحوار التالي:

 

المذيع عبد الصمد ناصر (استديو الدوحة): حثت الصين الهند على كبح جماح قواتها ووقف جميع الأعمال التي وصفتها بالاستفزازية بعد توتر على الحدود بين الجانبين، وحملت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية خوا تشون ينغ، الهند المسؤولية عن توتر الأجواء، وقالت: منذ بداية هذا العام انتهك الجانب الهندي مراراً الاتفاقيات الثنائية والتوافق المهم بشأن الجزء الغربي من الحدود الصينية الغربية واستخدم القوة من طرف واحد لتغيير الوضع الراهن وتقويض السلام والاستقرار في المنطقة الحدودية.

وتابع: للمزيد من التفاصيل، معنا مدير مكتبنا في الصين الزميل ناصر عبد الحق.

 

ناصر عبد الحق (مكتب الصين): “نعم عبد الصمد، كما ذكرتم في الخبر حثت الصين الهند على كبح جماح قواتها ووقف جميع الأعمال التي وصفتها بالاستفزازية، وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية خوا تشون ينغ، إن الصين مارست ضبط النفس الشديد للحيلولة دون تطور الوضع، وطالبت الجانب الهندي كبح جماح قوات الخطوط الأمامية بصرامة والوقف الفوري لجميع الأعمال الاستفزازية”.

 

قد تبدو حيلة ناجعة لمتدرب يحاول أن يملاً الوقت المتاح لإتمام المداخلة، في إعادة قراءة نص الخبر، قبل أن يبدأ بلملمة أفكاره المبعثرة تحت وطأة رهاب الوقوف الأول أمام الكاميرا. لكن أن يكون هذا حال مدير المكتب، فتلك قصة أخرى ..

 

أما الشق الثاني من المداخلة فكان مهزلة بمعنى الكلمة، رص كلمات تخلله تلعثم متكرر، وجفاف ريق بدا واضحاً، وفاصل من التأتأه بين جملة وأخرى، إلى أن جاء صوت عبد الصمد بوجه واجم ليلقي طوق نجاة للمراسل المرتبك، منهياً المداخلة: شكراً لك ناصر!

صدق أو لا تصدق، هذا المشهد يتكرر أسبوعياً على شاشة الجزيرة حين يستجد أمر في الصين، يطل المراسل بنفس الركاكة والأسلوب دون أن يحيد عن مقدمة المذيع، ودون أن يقدم أي إضافة تحمل قيمة خبرية. وكأن الغاية من المداخلة اختبار قدرة المراسل على الحفظ والتسميع، وليس تقديم إضاءة للمشاهد وقراءة ما بين السطور، انطلاقاً من فهم وإلمام بالملف أو القضية موضع النقاش.

 

في عام 2006، قال وزير الخارجية الصيني لي جاو شينغ، خلال اجتماعه بالمدير العام السابق لشبكة الجزيرة وضاح خنفر، في بكين: “إن ماحققته الجزيرة من نجاح في تعريف المشاهد العربي بالصين خلال فترة وجيزة، فشل الإعلام الصيني الناطق باللغة العربية في تحقيقه على مدى خمسين عاماً”.

كان ذلك في عهد مدير مكتب الجزيرة في الصين الدكتور الراحل عزت شحرور الذي وضع الأسس وشكل علامة فارقة في تناول وتحليل الشأن الصيني، وقدم تغطيات فريدة من بلاد التنين، كان أبرزها أول نافذة للجزيرة بعنوان “عين على الصين”.

لاحقاً ومع تواتر الأحداث وبروز اضطرابات عرقية وانخراط الصين أكثر في قضايا وملفات دولية شائكة، بدأت تغطية الجزيرة تأخذ منحى آخر، فكانت من أوائل وسائل الإعلام الأجنبية التي زارت إقليم التيبت إبان أحداث العنف أو ما عرف “بثورة الرهبان” عام 2008، وتناقلت صور الجزيرة الحصرية آنذاك العديد من وسائل الإعلام الأجنبية. وكذلك الأمر بالنسبة لأحداث مماثلة في إقليم شينجيانغ ذي الأغلبية الإيغورية المسلمة عام 2009. الأمر الذي أثار حنق وسخط السلطات الصينية، غير أن ذلك لم يثن الجزيرة عن التمسك بمهنيتها وموضوعيتها في تناول الشأن الصيني.

أما اليوم، فتبدو الجزيرة أقرب إلى وسائل الإعلام الصينية الرسمية، يكتفي مكتبها بنقل الأخبار التي توردها وكالات الأنباء دون عمق أو تحليل، ويتحدث باستحياء وتحفظ شديدين عن القضايا والمسائل الحساسة. ولا أدري حقيقة إن كان لهذا التسطيح وهذه الهشاشة علاقة برغبة دولة قطر في تجنب إحراج الصين على غرار باقي الدول التي تراعي مصالحها التجارية مع ثاني أكبر اقتصاد في العالم. وإلا كيف يمكن أن نفسر استمرار ظهور مراسل على شاشة الجزيرة يتعثر بأنفاسه.

إن صح القصد من هذا الفتور، فذلك يعني ضمور القوة الناعمة الهجينة التي ميزت التناغم بين الجزيرة والسياسة الخارجية القطرية، ما يعني فقدان الشبكة استقلاليتها التحريرية عن الدولة، وهي التي كانت قد شكلت خلال العقدين الماضيين، نموذجاً جديداً نجح في الدمج بين الصحافة المهنية والدبلوماسية الإعلامية.

About Post Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة © 2020 مجلة السفير | Newsphere by AF themes.