هكذا انتقل البرتقال من الصين إلى العالم العربي

يُطلق سكان المغرب العربي على فاكهة البرتقال إسم “تشينة” (China) نسبة إلى الصين، فما أصل هذه التسمية؟  للإجابة على هذا التساؤل سنغوص في أعماق التاريخ لنتتبع مسار انتقال الحمضيات وفاكهة “البرتقال” من الصين إلى بقية أنحاء العالم.

لقد وصلت “الحمضيات” في الماضي القديم من جنوب شرق آسيا (الصين والهند) إلى شبه الجزيرة العربية عبر طريق الحرير البري واستخدمت عدّة ألفاظ في اللغة العربية للدلالة على هذا الصنف من الفواكه مثل الأُتْرُجَةِ والتُرُنْجُ والنارنج.

الأُتْرُجَةِ والتُرُنْجُ أطلقا على ما يُعرف علميا بـ Citrus medica ، لما له من فوائد طبية حيث يقول العالم الصيدلاني المسلم إبن البيطار (1197- 1248 م):

“قوة الأترج تلطف وتقطع وتبرد وتطفئ حرارة الكبد وتقوي المعدة وتزيد في شهوة الطعام وتقمع حدة المرة الصفراء وتزيل الغم العارض منها”.

وقد استخدم الشاعر العربي الشهير أبو الطيب المتنبي (915-965 م) كلمة “تُرُنْجُ” في إحدى قصائده :

شَديدُ البُعدِ من شرْبِ الشَّمولِ ….. تُرُنْجُ الهِنْدِ أوْ طَلْعُ النّخيلِ

وَلـكِـنْ كُـلّ شـيءٍ فـيهِ طِـيبٌ ….. لَدَيْكَ مِنَ الدّقيقِ إلى الجَليلِ

 

كما أطلق العرب تسمية “نارنج” على نوع آخر من الحمضيات المستورد من الصين عبر طريق الحرير البري والذي يُعرف علميا بـ Citrus aurantium، حيث يعود أصل لفظة “نارنج” إلى اسم شجرة الحمضيات في اللغة السنسكريتية (الهندية القديمة).

وخلال العهد الأموي، نقل العرب شجرة “النارنج” إلى شمال إفريقيا والأندلس (إسبانيا في العهد الإسلامي من 711 إلى 1492 م). ومن الأندلس انتقلت كلمة “نارنج” من اللغة العربية إلى اللغات الأوروبية فتحولت إلى Naranja في الإسبانية و Laranja في البرتغالية ثم تحوّرت إلى Orange في الإنجليزية والفرنسية.

في القرن السادس عشر، عثر البرتغاليون على نوع حلو من الحمضيات في الصين وجلبوه إلى شبه الجزيرة الإيبيرية وحوض البحر الأبيض المتوسط عبر الطرق البحرية التي أنشأوها على أنقاض “طريق الحرير البحري”.

وأطلق البرتغاليون على هذا النوع من الحمضياتLaranja da China  ومن ذلك انتشرت تسمية “تشينة” في بلدان المغرب العربي.

في المشرق العربي، عُرف النوع الحلو من الحمضيات أيضا عن طريق البرتغاليين وسُمي نسبة إليهم بـ”نارنج البرتقال” قبل أن يتحول إلى “برتقال” ويُكرس مع الوقت في اللغة العربية كمصطلح مقابل لكلمة Orange.

وليس سكان المغرب العربي فقط من ينسبون فاكهة البرتقال إلى موطنها الصيني الأصلي، ففي جزيرة بورتوريكو يستخدمون أيضا كلمة China، أما في ألمانيا فيقولون Apfelsine وفي هولندا Sinaasappel، فيما معناه تفاح أو فاكهة الصين.

هذا ناهيك عن البرتقال من صنف Citrus reticulata الذي يُطلق عليه في أغلب بلدان العالم إسم “المندرين” نسبة إلى الصين كذلك.

تجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أنّ بعض أنواع الحمضيات التي تعرف رواجا في الصين مثل صنف Pomelo (الإسم العلمي  maxima Citrus ) يكاد وجودها منعدما في الوقت الحالي بالبلدان العربية ، ما يتيح فرصا كبيرة للإستثمار والشراكة رابح-رابح بين المتعاملين الفلاحيين العرب والصينيين.

وبالرجوع إلى موضوعنا، فإن تتبع حركة الحمضيات من الصين إلى بقية أنحاء العالم ودراسة مسار انتقال الألفاظ المتعلقة بتسمية هذا النوع من الفواكه عبر اللغات المختلفة، يُعطينا لمحة صغيرة عن تلاقح الحضارات الذي أسهمت فيه طرق الحرير البرية والبحرية القديمة والطرق التي قامت على أنقاضها.

فمثلما كانت طرق الحرير البرية والبحرية القديمة وسيلة لنقل السلع والبضائع وتعزيز العلاقات التجارية بين الشعوب ورافدا للتفاعل المتبادل بين الحضارات المختلفة، المتزامنة منها والمتعاقبة، تُشكل مبادرة “طريق الحرير الجديد” أو ما يُعرف اختصارا بـ “الحزام والطريق” فرصة سانحة من أجل تعزيز الترابط ما بين البنيات التحتية وتطوير التعاون الإقتصادي وترقية المبادلات الثقافية والإنسانية بين شعوب المعمورة.

About Post Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة © 2020 مجلة السفير | Newsphere by AF themes.