هل تتوسط الصين في الحرب الروسية الأوكرانية؟

علي أبو مريحيل – رئيس التحرير

تتوالى التصريحات الغربية الموجهة إلى الصين، والتي تبدو وكأنها تتضمن دعوة ضمنية لها من أجل أداء دور الوساطة لوقف الحرب التي تشنّها روسيا على أوكرانيا، سواء أكان ذلك اليوم، أو في أي مفاوضات مستقبلية بين الطرفين. ويجري ذلك فيما يُنظر إلى بكين على أنها حليف مهم لموسكو، فيما يرى مراقبون أن أي دور للوساطة قد تؤديه الصين، سيكون مرتبطاً أيضاً بتشابك مصالحها بين موسكو والغرب. ويتعلق السؤال الأساسي بمدى رغبة الصين فعلياً، في أداء دور الوسيط بين كييف وموسكو، وما إذا كانت بالفعل تمتلك الأوراق التي تؤهلها للقيام بهذا الدور بنجاح، لا سيما في ظلّ تشعب علاقاتها ومصالحها. وأشارت نائبة وزير الخارجية الأوكراني، أمينة جبار، في تصريحات صحافية، إلى أن كييف تجري حواراً مع الصين ودول كثيرة بهدف الوساطة لإنهاء الحرب. وقالت المسؤولة الأوكرانية: “نحن في حوار مع دول كثيرة، بما في ذلك الصين”، لافتة إلى أن “قادة ودولاً أعلنوا استعدادهم للوساطة مثل تركيا والسعودية وإسرائيل، بالإضافة إلى شركاء آخرين”.

وفي آخر الرسائل الغربية في هذا الإطار، دعا نائب رئيس الوزراء البريطاني دومينيك راب، الصين والهند إلى المساعدة على زيادة الضغط الدبلوماسي على روسيا، قائلاً إن “الصين لديها وظيفة هنا. عليهم أن يتدخلوا أيضاً، إنها عضو دائم في مجلس الأمن الدولي، علينا أن نوسّع الضغط الدبلوماسي”.

وكان مفوض السياسة الخارجية والأمنية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل، قد حثّ بدوره الصين على التوسط لإنهاء الحرب الروسية ضد أوكرانيا. وقال بوريل، في مقابلة مع صحيفة “إل موندو” الإسبانية،  إنه “يتعين على الصين التوسط في محادثات سلام مستقبلية بين روسيا وأوكرانيا، نظراً إلى أن الدول الغربية لا يمكنها لعب هذا الدور”.

وأضاف وزير الخارجية الإسباني السابق، والرئيس السابق للبرلمان الأوروبي: “ليس هناك بديل، نحن (الأوروبيون) لا يمكن أن نكون وسطاء، هذا واضح، ولا يمكن أن تكون الولايات المتحدة أيضاً، يجب أن تكون الصين، وأنا أثق في ذلك”. لكنه أضاف: “لم نطلب منهم ذلك، وهم أيضاً لم يطلبوا.

وعلى الرغم من أن بكين امتنعت عن إدانة الحرب الروسية (في الأمم المتحدة)، ولم تعتبرها غزواً، في مراعاة واضحة لعلاقاتها الوثيقة بموسكو، فإن وزير خارجيتها وانغ يي، دعا إلى مفاوضات مباشرة بين روسيا وأوكرانيا، وذلك خلال اتصال هاتفي بنظيره الأميركي أنتوني بلينكن.

وذكر المتحدث باسم الخارجية الأميركية، نيد برايس، أن بلينكن شدّد في الاتصال، على أن “العالم يتحرك بشكل موحد، لرفض والرد على العدوان الأميركي، وضمان أن تدفع موسكو ثمناً غالياً رداً عليه”. وقال برايس إن بلينكن لفت أيضاً في اتصاله مع نظيره الصيني، إلى أن “العالم يراقب ليعرف أي دول هي تلك التي تقف دفاعاً عن مبادئ الحرية وحقّ تقرير المصير والسيادة الأساسية”، مؤكداً أن الحرب الروسية “متعمدة وغير مبرّرة”. من جهته، أعرب الوزير الصيني، عن “أسف بلاده بشدّة لاندلاع النزاع بين البلدين الجارين”، مضيفاً أن بكين “تولي الكثير من الانتباه للضرر الذي لحق بالمدنيين”. كما أعرب وانغ يي “عن أمله في أن يتوقف القتال في أقرب وقت، من دون أن يتسبب ذلك في أزمة إنسانية كبيرة”. ودعا الوزير الصيني الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي وروسيا إلى “الانخراط في حوار متكافئ، والتصدي للتناقضات والمشاكل التي تراكمت على مرّ السنوات، والانتباه إلى التأثير السلبي للتوسع المستمر للناتو شرقاً على المحيط الأمني لروسيا”.

وكان مستشار الخارجية الأميركية ديريك شوليت، قد قال في تصريحات صحافية، إن حكومته “تحدثت خلال الأسابيع القليلة الماضية، مع الحكومة الصينية على جميع المستويات بشأن مخاوفنا، وحول تصميمنا على محاولة إيجاد نتيجة دبلوماسية عندما اعتقدنا أن ذلك لا يزال ممكناً”. وأضاف شوليت: “سنواصل البقاء في محادثات نشطة للغاية مع الحكومة الصينية حول كيفية المضي قدماً”. لكنه حذّر بحسب ما نقلت عنه وسائل إعلام عدة، من أن الصين ستواجه برد إذا ما عملت على مساعدة روسيا على الالتفاف على العقوبات المفروضة عليها.

وتعتبر المكالمة الهاتفية بين بلينكن ونظيره الصيني، الأحدث في جهود واشنطن المستمرة لممارسة الضغط الدبلوماسي على بكين بشأن موقفها من الحرب واستمرارها في رفض إدانة الغزو الروسي لأوكرانيا. ورأى مراقبون أن المكالمة وهذه الجهود حملت في طيّاتها دعوة ضمنية إلى الصين، من أجل التدخل في إنهاء الحرب بحكم علاقتها الوثيقة بروسيا.

ويرى خبراء أن الصين هي المرشح الأبرز للعب دور الوساطة بإجماع أطراف النزاع كافة، وخصومها السياسيين، بما في ذلك الولايات المتحدة وحلفاؤها. وأنه في ظلّ العقوبات الخانقة التي فُرضت عليها، فإن الصين هي اليوم بمثابة الرئة التي يمكن أن تتنفس روسيا من خلالها، وبالتالي فإنه ليس من مصلحة موسكو إحراق جميع المراكب”.

وكانت الصين أولى الدول التي دعت منذ بداية الأزمة إلى الحوار، كما رحبت بعقد مفاوضات مباشرة بين روسيا وأوكرانيا لحل الأزمة، وهي أكبر داعم وحليف لروسيا،  حيث بلغ حجم التبادلات بين البلدين  146 مليار دولار العام الماضي. وأكثر من ثلث هذه التبادلات يتعلق بالطاقة،  كما أن الصادرات الزراعية الروسية إلى الصين بلغت 3.5 مليارات دولار فقط العام الماضي، إلى جانب أن البلدين حددا هدفاً يتمثل في تعزيز التجارة إلى 250 مليار دولار سنوياً بحلول عام 2025″.

بناء على ما تقدم، وفي ظل عقوبات دولية على النظام الروسيي تعتبر الأشد في التاريخ الحديث، يتضح أن روسيا من دون الصين، ستكون في عزلة عن العالم الخارجي، وسيتعين عليها النظر في خياراتها بعناية أكبر، من هنا تأتي أهمية الوساطة الصينية، على اعتبار أن بكين هي الحليف الاستراتيجي الأهم بالنسبة لموسكو، فضلاً عن أن موقفها السياسي من الحرب ينسجم ويتسق تماماً مع مصالح الكرملين.

وكانت الصين قد امتنعت عن التصويت في مجلس الأمن الدولي على قرار يدين الغزو الروسي لأوكرانيا، لكن من دون أن تستخدم حق النقض الفيتو ضد القرار، في حين عمدت إلى الامتناع عن التصويت على قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي يدين الغزو ويطالب روسيا بالانسحاب من الأراضي الروسية، من دون أن تلجأ، مجدداً، إلى معارضة القرار.

أما بشأن غاية الصين من أن تؤدي دور الوساطة، فإنه مع اشتداد القتال في أوكرانيا ومقتل آلاف المدنيين، يواجه الرئيس الصيني شي جين بينغ، شكوكاً متزايدة من واشنطن وحلفائها حول مدى علمه بخطط موسكو لبدء الحرب مسبقاً، وما إذا كان قد منح نظيره الروسي فلاديمير بوتين، دعمه الضمني للمضي قدماً في الهجوم”. وكان شي وبوتين قد التقيا عشية حفل افتتاح دورة الألعاب الأولمبية الشتوية في بكين في 4 فبراير/شباط الماضي، وقد أصدر الزعيمان آنذاك بياناً مشتركاً، وصفا فيه شراكتهما بأنها “لا حدود لها”. أيضاً تواجه بكين انتقادات شديدة لرفضها إدانة موسكو بعدما أمضت عقوداً في الادعاء بأنها تعتبر مبدأ السيادة ووحدة الأراضي أمراً مقدساً، ولذلك فقد تسعى إلى تحسين صورتها أمام المجتمع الدولي من خلال أداء دور الوسيط لإنهاء الحرب الروسية في أوكرانيا.

 

 

 

 

About Post Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة © 2020 مجلة السفير | Newsphere by AF themes.