هل تحمل مصر مفاتيح معبر رفح؟

عبد التواب بركات

بعد ساعات من بدء عملية طوفان الأقصى، فرضت إسرائيل على قطاع غزة “حصارًا كاملًا” إضافيًا على الحصار المفروض عليه منذ 16 سنة، وحرمت سكانه من الغذاء والمياه والدواء. ورغم مطالبة أمين عام الأمم المتحدة ومسؤولو المنظمات الأممية العاملة في قطاع غزة والعديد من رؤساء الدول بفتح معبر رفح، شريان الحياة والنافذة الوحيدة للقطاع على العالم الخارجي عبر الأراضي المصرية، لدخول المساعدات الإنسانية وخروج المرضى، لم يفتح المعبر إلا بعد مرور أسبوعين كاملين من بداية العدوان، ذلك أن النظام المصري، الذي يملك السيادة الكاملة على معبر رفح، نفى مسؤوليته عن إغلاق المعبر.

وفق قرار الأمم المتحدة رقم 96 لسنة 1946، تعتبر الإبادة الجماعية جريمة بمقتضى القانون الدولي، ويمكن التقاضي بشأنها أمام المحكمة الجنائية الدولية. وقالت منظمة العفو الدولية إن “العقاب الجماعي” للسكان المدنيين في غزة يرقى إلى مستوى “جريمة حرب”. ويشمل العقاب الجماعي جرائم الإبادة، والتهجير القصري، والتجويع والحصار.

تقرر معاهدة جنيف الرابعة، المختصة بحماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب، في بند 33 منها، أن “ما من شخص محمي يُعاقب على مخالفة لم يرتكبها بنفسه، وأن العقوبات الجماعية ممنوعة”، ويمتد هذا المنع في حالة الاحتلال. وعلى دولة الاحتلال أن تضمن الحق في الانتقال والعبور والتزويد بالأغذية والأدوية للسكان (بندا 55، 59)، والتشغيل السوي للمؤسسات الطبية، وتسهيل التوزيع السريع لإرساليات المساعدات (بند 56)، وبضمان التزويد بالمَلبس ومستلزمات النوم ووسائل الحماية وكل مستلزمات أخرى ضرورية لبقاء السكان المدنيين في المنطقة المحتلة (بند 69).

ورغم السماح بدخول بعض المساعدات الشحيحة، ما زال معبر رفح شبه مفتوح وشبه مغلق في آن واحد. وقد أعلن المكتب الإعلامي الحكومي بغزة أن ما دخل إلى القطاع من شاحنات المساعدات خلال الفترة السابقة لا يعادل ما كان يدخل في يومين قبل العدوان. ولا يسمح بمرور أكثر من 20% من الوقود اللازم لتشغيل المستشفيات ومحطات المياه والمخابز وسيارات الإسعاف، وكلها مرافق حيوية لإنعاش حياة السكان في القطاع.

والسؤال هنا، من الذي يتحكم في فتح وإغلاق معبر رفح؟ ومن الذي يقرر نوعية وكمية المساعدات الإنسانية التي يسمح بمرورها عبر المعبر؟ ومن المسؤول عن انتهاك حقوق سكان القطاع الناجم عن إغلاق المعبر؟

للإجابة عن تلك الأسئلة، أجرت جمعيتان حقوقيتان إسرائيليتان قبل سنوات استقصاء ممولا من الاتحاد الأوروبي لمواقف الأطراف ذات الصلة بمعبر رفح، لفهم لماذا بقي المعبر مغلقاً، ومن يملك القدرة على فتحه، وكيف تتوزع المسؤولية عن إغلاقه وعن المساس بحقوق سكان غزة الناجم عن هذا الإغلاق.

الأولى، هي جمعية مسلك، وهي متخصصة في الدفاع عن حرية الإنسان في الحركة وحرية التنقل. والثانية هي أطباء لحقوق الإنسان. ونُشرت نتيجة الاستقصاء بعد العدوان على قطاع غزة في سنة 2008 في كتاب تحت عنوان “من يحمل مفاتيح معبر رفح؟”، ونشير هنا إلى بعض نتائج الاستقصاء ومواقف إسرائيل ومصر والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي من المعبر وباختصار شديد.

دولة الاحتلال تمارس العقاب الجماعي
بعدما سيطرت حماس على قطاع غزة في بداية سنة 2006، قالت محكمة العدل العليا في إسرائيل، وهي أعلى سلطة قضائية في الكيان المحتل، في مذكرة رفعت ضد وزير الأمن، إنه ليس لإسرائيل أي سيطرة فعلية على معبر رفح الذي يقع تحت سيطرة حماس من جانب والسلطات المصرية من الجانب الثاني.

ورغم الادعاء بأنها دولة تحترم القانون وتقدس أحكام القضاء، رد رئيس الطاقم السياسي الأمني عاموس جلعاد على المحكمة في منتصف سنة 2006 بأنه “إذا لم يُطلق سراح جلعاد شاليط فإن معبر رفح لن يُفتح”. وهو اعتراف بسيطرة إسرائيل، وليس مصر، على معبر رفح للبت في إغلاقه أو فتحه.

وفي سنة 2008، عادت المحكمة العليا فقالت إنه “يُمكن أن تكون لدولة إسرائيل في الوقت الراهن مصلحة بإبقاء معبر رفح مغلقاً كجزء من السياسة العامة تجاه المنظمة الإرهابية المسيطرة في القطاع”. وفق جمعية مسلك، طلبت إسرائيل من مصر إبقاء المعبر في وضعية الإغلاق إلى حين عودة شاليط، وقد استجابت مصر لذلك.

بحكم معاهدة جنيف، فإن إسرائيل ملزمة بالسماح للسكان بالانتقال إلى قطاع غزة ومنه، وأن تضمن لهم تزويداً مناسباً بالمواد الغذائية والأدوية، وبالامتناع عن تقييد تنقل سكان غزة كعقاب جماعي لعموم السكان بسبب أعمال لم يرتكبوها هم. وحسب قوانين حقوق الإنسان، فإن إسرائيل ملزمة باحترام حق سكان قطاع غزة في حرية الحركة والتنقل، وضمن ذلك تطبيق المبدأ الأساس الذي ينص على أنه “يحق لكل شخص أن يترك كل دولة بما فيها دولته، وأن يعود إلى دولته”.

كما أن إسرائيل مسؤولة تجاه سكان غزة بحكم قانون الإغاثة الإنسانية. إذ تنص معاهدة جنيف الرابعة، في البند 27، والذي يسري في حال نشوب نزاع مسلح، أو احتلال أو فرض القوة أو السيطرة على مجموعة سكان على أن “المحميين يستحقون في كل الظروف تعاملاً سوياً مع أجسادهم وكراماتهم وحقوقهم العائلية ومعتقداتهم وشعائرهم وآدابهم وعاداتهم”. والحق في حرية الحركة والتنقل ينبع من الحق الأساسي للكرامة والإرادة الذاتية للإنسان.

في ظل العدوان الحالي، يقود المحامي الفرنسي لدى المحكمة الجنائية الدولية جيل دوفير حملة مع 300 محام دولي تطالب المحكمة بفتح تحقيق في جرائم الإبادة المنسوبة لجيش الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، ويقول إن التعريف الدقيق للإبادة الجماعية تحقق تماما في العدوان العسكري الذي تشنه إسرائيل على غزة، سواء تعلق الأمر بالحصار وانعدام الغذاء ومنع الوقود، أو كان متعلقا بالإبادة عن طريق القصف والتهجير.

مصر وغزة
الموقف المصري الرسمي، الذي تم إبلاغه لجمعية مسلك من خلال السفارة المصرية في إسرائيل بإذن من وزارة الخارجية المصرية في منتصف 2008، هو أن مصر لا تستطيع فتح معبر رفح للتنقل المنتظم منذ سيطرة حماس على القطاع في يونيو/ حزيران 2007، لأنه يمثل خرقا لاتفاق المعابر الذي يتطلب حضور السلطة الفلسطينية والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في الجانب الفلسطيني للحدود.

وعن سؤال “مسلك”، لماذا تُطلب موافقة إسرائيل على فتح معبر رفح على الجانب المصري منه، أجاب ممثل مصر الرسمي أن لإسرائيل ولمصر علاقات جيدة متبادلة وتعاونا أمنيا بحيث إن كليهما معنيان بالاستقرار. وأبلغت مصادر مصرية أخرى جمعية مسلك بأن للعلاقة مع إسرائيل تأثيرا على سياسة مصر بالنسبة لمعبر رفح، بحيث أن مصر ترى في نفسها ملزمة بالامتناع عن خطوات من شأنها أن تهدد إسرائيل، مثل فتح معبر رفح مقابل حماس.

وقد ورد في وسائِل الإعلام أن الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك وعد رئيس الحكومة الإسرائيلية إيهود أولمرت ببقاء معبر رفح مغلقاً إلى أن يتم إطلاق سراح الجندي الأسير جلعاد شاليط. وأبلغ جمعية مسلك مصدر مقرب من وزارة الخارجية المصرية بأن مصر ليست معنية بتقوية حركة حماس بواسطة فتح المعبر بسبب علاقتها بحركة الإخوان المسلمين في مصر.
من منظور الأمن القومي المصري، على مصر مساعدة قطاع غزة في مقابل عدو استراتيجي خاض ثلاث حروب ضد مصر واحتل سيناء لمدة 15 سنة. ومن منظور الأمن القومي العربي الذي يعبر عنه ميثاق جامعة الدول العربية، وقد انضمت إليها فلسطين في سنة 1976، على مصر وجميع الدول العربية حفظ سيادة ومصالح سكان قطاع غزة وفلسطين.

وعلى مصر، وفق مسلك، وهي طرف في معاهدة جنيف المختصة بحماية المدنيين في وقت الحرب، تقع مسؤولية إنسانية عامة تقضي بمنع إسرائيل من انتهاك أنظمة المعاهدة، ومنها تلك التي تضمن الحق في العبور والحركة والسفر والتزود بالغذاء والأدوية.

أكثر من ذلك، يُحظر على مصر مساعدة إسرائيل على انتهاك أنظمة المعاهدة، ومن ضمنها حظر العقاب الجماعي، والحفاظ على كرامة الناس المحميين وواجب ضمان الحياة السوية، وواجب التزويد بالمواد الغذائية والأدوية.

مصر، التي تتحكم في المعبر الوحيد من قطاع غزة الذي لا تسيطر عليه إسرائيل، ملزمة باحترام حق سكان القطاع في المرور عبر أراضيها، في ضوء منع إسرائيل لكل إمكانية أخرى للخروج من القطاع. فالحظر الذي فرضته إسرائيل على التنقل بحراً وجواً، وإغلاقها الحدود البرية بينها وبين القطاع، حوّل قطاع غزة إلى منطقة مغلقة وزاد تبعية سكان غزة لمعبر رفح.

وهكذا، ولّدت إسرائيل واجبا على مصر بفتح المعبر. وبحكم واجبات مصر، عليها أن تتيح المرور لسكان قطاع غزة المغلق، وأن تمتنع عن التعاون مع إسرائيل في انتهاك اتفاقية جنيف وتسهيل مرور المساعدات الإنسانية.

بخصوص نقل البضائع، فإن موقع مصر بجوار قطاع غزة، وفي وضعية تقييد انتقال المساعدات الإنسانية على القطاع من الجانب الإسرائيلي، يجعل من إرسال المؤن الإنسانية من مصر إلى القطاع حيوياً بالنسبة لسكان القطاع، ويفرض على مصر واجب السماح بذلك.

والواقع أن مصر تخرق هذا الواجب لأنها ترفض بشكل عام مرور مساعدات إنسانية عبر رفح وتمنع حرية المرور لمنظمات إغاثة تحاول تقديم المساعدة، وتقبل على نفسها، عملياً، القيود التي تفرضها إسرائيل على إدخال مساعدات إنسانية لاعتبارات مرفوضة تتصل بالعقاب الجماعي.

تمنع مصر خروجاً ودخولاً منتظمين يفيان باحتياجات سكان قطاع غزة عبر معبر رفح، وترفض أن تُدخل عبره مساعدات إنسانية إلى القطاع، على الرغم من معرفتها للضائقة الإنسانية التي يعيشها سكان القطاع المغلق. وبرفض مصر فتح معبر رفح للمساعدات الإنسانية وبامتناعها عن القيام بكل ما باستطاعتها لمنع الإغلاق على غزة، تكون مصر قد خرقت تعهداتها الدولية، ومنها اتفاقية تنظيم النقل بالعبور بين دول الجامعة العربية.

بموجب بند 23 من معاهدة جنيف، على مصر السماح بمرور الإغاثة الإنسانية إلى قطاع غزة من أراضيها، وإتاحة “المرور السريع ودون تأخير” لإرساليات الإغاثة الإنسانية المخصصة للسكان المدنيين في حالات النزاع المسلح. وحسب تفسير الصليب الأحمر، فإن واجب إتاحة الإغاثة الإنسانية يقع على الدول التي تشكل طرفاً في النزاع أو المعاهدة، أو التي يجعل موقعها الجغرافي إرسال الإغاثة عبر أراضيها “حيوياً أو عملياً”.

الاتحاد الأوروبي وأميركا يشاركان في الجريمة
الاتحاد الأوروبي طرف في اتفاق المعابر، وكلما أعلنت إسرائيل عن إغلاق المعبر، يوافق الاتحاد على ذلك ولا يطالب إسرائيل بفتح المعبر. ومنذ يونيو/ حزيران 2007، منذ سيطرة حركة حماس على معبر رفح، يرفض الاتحاد الأوروبي أن ينشر قوة المراقبة الدولية التابعة له في المعبر. وفي الوقت ذاته، يواصل الاتحاد الإبقاء على قوة المراقبة الدولية التابعة له في إسرائيل بانتظار إعادة فتح المعبر.

معاهدة جنيف تحظر على كل دولة موقّعة على المعاهدة مساعدة دول أخرى في خرق نصوص المعاهدة، مثل حظر فرض العقاب الجماعي. وعليه، فإن واجبات الاتحاد الأوروبي تشبه الواجبات المفروضة على مصر، وهي أن يبذل كل ما في وسعه من أجل منع إسرائيل من ممارسة العقاب الجماعي وانتهاك معاهدة جنيف الرابعة بحق سكان القطاع، التي تنبع من إغلاق معبر رفح ومنع مرور الأشخاص والبضائع.

ولا يوفر وجوده غطاء لانتهاك معاهدة جنيف، وإذا لم تسفر نشاطاته عن إنهاء هذا الخرق، فإن الاتحاد الأوروبي ملزم بالتنصل من أي دور في اتفاقيات المعابر، حتى لا يشكل نشاطه اعترافاً، أو موافقة صامتة أو مشاركة في عمل هو عقاب جماعي عبر انتهاك معاهدة جنيف.

الولايات المتحدة، الداعم الأكبر لإسرائيل في العدوان على القطاع، منحت رعايتها لاتفاق المعابر دون أن تُصرّ على تنفيذه. وهي تمارس ضغوطاً على القاهرة حتى لا تسمح بتنقل الأشخاص والبضائع بين غزة ومصر في قنوات بديلة، عبر الأنفاق، وتعارض فتح معبر رفح دون وجود ممثلي السلطة الفلسطينية عند المعبر، ما يعد مشاركة في جريمة العقاب الجماعي.

About Post Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة © 2020 مجلة السفير | Newsphere by AF themes.