في بعض الغياب حضور أكبر

د. عبد الله جودة

شيرين أبو عاقلة الصحفية المهنية ذات الصوت الهادئ والوجه المعروف والمألوف لكل بيت فلسطيني وعربي وهي تنقل الأحداث من الأراضي الفلسطينية المحتلة، كانت الشاهد الحي على كل ما جرى في فلسطين خلال ربع قرن، كانت تنقل الخبر قبل أن تصبح هي الخبر، وترتقي شهيدة في مخيم جنين المكان الذي تعرفه ويعرفها جيداً.

لم تكن شرين منتمية لأي تنظيم بل كانت ابنة كل فلسطين، كيف لا وقد زفت جنازتها من جنين إلى نابلس إلى رام الله، قبل أن يرقد جثمانها الطاهر في القدس العربية التي تزينت بالأعلام الفلسطينية على وقع قرع أجراس العودة التي غنت لها فيروز: الآن الآن وليس غدا أجراس العودة فلتقرع.

نعم قرعت أجراس عودة شيرين في مشهد استثنائي بكافة أشكاله منذ لحظة استشهادها حتى مثواها الأخير. كان عرساً وطنياً بامتياز، حيث قرعت أجراس جميع الكنائس والتكبيرات في جميع المساجد وخرج المقدسيون جميعا عن بكرة أبيهم مسيحين ومسلمين، جميع الفلسطينيين الذين استطاعوا الوصول من كافة المناطق الفلسطينية.

ولأول مرة في تاريخ القدس تقرع الكنائس لكافة الطوائف المسيحية ويجتمع رجال الدين من كافة الطوائف المسيحية والإسلامية في نفس الوقت، والمكان دائما هو القدس. مسيحيو القدس ومسلموها خرجوا معا يهتفون ويشيعون الشهيدة في مشهد يختزل الحكاية والرواية، حكاية شيرين مع شعبها وقصته التي روتها في تقاريرها الصحفية خلال ربع قرن، وقد كانت هذه التقارير الشاهد الحي على جنازة مهيبة تليق بالعظماء، ومن خلال هذه الجنازة التاريخية تم التأكيد على المؤكد من الثوابت الفلسطينية من وحدة وطنية وحقنا في الوجود، وظهرت القدس في أبهى صورها عاصمة أبدية لفلسطين التاريخية.

شيرين وحدت الشعب الفلسطيني وحفرت اسمها بين العظماء على شاكلة غسان كنفاني بمهنيتها وأدبياتها، وعلى درب دلال المغربي في وطنيتها وجرأتها، وبرحيلها تركت لنا وديعة الانتماء لهذا الوطن والدفاع عن هذه القضية، حيث خرج الفلسطينيون وفاء لهذه المناضلة الفلسطينية التي حظيت باحترام وإجماع الشعب الفلسطيني بأكمله. وأقامت الرئاسة الفلسطينية جنازة عسكرية رسمية، شارك فيها الرئيس الفلسطيني محمود عباس في مقر المقاطعة في مدينة رام الله. ورفض الرئيس الفلسطيني التحقيق المشترك مع سلطات الاحتلال الإسرائيلي متهما إياه بارتكاب هذه الجريمة البشعة. وقد تم منح شيرين وسام نجمة القدس الوسام الأرفع فلسطينيا على اعتبار أن الشهيدة أبو عاقلة خدمت قضيتها وشعبها ومارست مهنتها بحرفية وإخلاص منقطع النظير إلى أن أصبحت أيقونة في عالم الصحافة.

لم تكن شيرين فقط إعلامية ومراسلة ومجرد ناقلة للخبر، بل كانت مناضلة فلسطينية من الطراز الأول وكانت تدافع عن الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة وخاصة مدينة القدس بكل ما أوتيت من قوة. ولأن الشعب الفلسطيني اعتاد أن يرد الحسنة بمثلها حيث كان تحدي الشعب الفلسطيني على مستوى حجم الجريمة، من خلال الزود عن النعش أثناء الجنازة بعد استهدافه من قوات الاحتلال، هذا المشهد الذي فضح زيف الدولة التي تتغنى بقيم الديمقراطية والإنسانية.

كان التقرير الأخير الذي قرأته شرين بحناجر المشيعين الأقوى والأوضح للإجرام الفاشي. في هذا التقرير أكملت توثيقها لجرائم الاحتلال الإسرائيلي ورحلت معلنة أنه في بعض الغياب حضور أكبر.

الرحمة لشيرين أبو عاقلة والحرية لفلسطين كل فلسطين.

 

About Post Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة © 2020 مجلة السفير | Newsphere by AF themes.